القاضي عبد الجبار الهمذاني
164
المنية والأمل
البدعة الثانية : القول « بالتناسخ » ، زعما أن اللّه تعالى أبدع خلقه ، أصحاء سالمين ، عقلاء ، بالغين ، في دار سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم ، وخلق فيهم معرفته والعلم به ، وأسبغ عليهم نعمه ، ولا يجوز أن يكون أول ما يخلق إلا : عاقلا ، ناظرا ، معتبرا ، وابتدأهم بتكليف شكره ، فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به ، وعصاه بعضهم في جميع ذلك ، وأطاعه بعضهم في البعض دون البعض ، فمن أطاعه في الكل ، أمره « 1 » في دار النعيم التي ابتدأهم فيها ، ومن عصاه في الكل أخرجه من تلك الدار إلى دار العذاب وهي النار ، ومن أطاعه في البعض وعصاه في البعض ، أخرجه إلى دار الدنيا ، فألبسه هذه الأجسام الكثيفة ، وابتلاه بالبأساء ، والضراء ، والشدة ، والرخاء ، والآلام . واللذات . . . . على صور مختلفة من صور الناس وسائر الحيوانات ، على قدر ذنوبهم ، فمن كانت معصيته أقل ، وطاعته أكثر ، كانت صورته أحسن ، وآلامه أقل ، ومن كانت ذنوبه أكثر ، كانت صورته أقبح وآلامه أكثر . ثم لا يزال يكون الحيوان في الدنيا ، كرة بعد كرة ، وصورة بعد أخرى ، ما دامت معه ذنوبه وطاعته وهذا عين القول « بالتناسخ » . وكان في زمانهم شيخ المعتزلة ، أحمد بن أيوب بن مانوس ، وهو أيضا من تلامذة النظام ، وقال أيضا مثل ما قال أحمد بن خابط في « التناسخ » ، وخلق البرية دفعة واحدة ، إلا أن قال : متى صارت « النوبة » إلى البهيمية ، ارتفعت التكاليف ، ومتى صارت النوبة » إلى رتبة النبوة والملك ، ارتفعت التكاليف أيضا ، وصارت النوبتان عام الجزاء . ومن مذهبهما أن « الدار » خمس : داران للثواب إحداهما : فيها أكل وشرب وبعال وجنات وأنهار . والثانية : دار فوق هذه الدار ، ليس فيها أكل ولا شرب ولا بعال ، بل ملاذ روحانية ، وروح وريحان ، غير جسمانية . والثالثة : دار العقاب المحضة ، وهي نار « جهنم » ، ليس فيها ترتيب ، بل هي على نمط التساوي .
--> ( 1 ) للدكتور عصام الدين محمد بحث في موضوع « التولد عند المعتزلة » تحت الطبع ، يظهر قريبا باذن اللّه تعالى .